ابراهيم بن عمر البقاعي
350
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولأجل أن هذه السورة سورة المتجردين عن علائق العوائق عن السير إليه ، كرر وصف الإخلاص فيها كثيرا . ولما نزه نفسه المقدس سبحانه عن كل نقص ، دل على ذلك بأنهم وجميع ما يعبدونه من دونه لا يقدرون على شيء لم يقدره ، فقال مسببا عن التنزيه مؤكدا تكذيبا لمن يظن أن غير اللّه يملك شيئا مواجها لهم بالخطاب لأنه أنكى وأجدر بالإغضاب : فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ * أي من الأصنام وغيرها من كل من زعمتموه إلها . وابتدأ الخبر عن « أن » فصدره بالنافي فقال : ما وغلب المخاطبين المعبر عنهم بكاف الخطاب على من عطف عليهم وهم معبوداتهم تنبيها على أنهم عدم كما حقرهم بالتعبير عنهم بما دون « من » فقال مخاطبا : أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي على اللّه خاصة بِفاتِنِينَ * أي بمغيرين أحدا من الناس بالإضلال إِلَّا مَنْ هُوَ أي في حكمه وتقديره صالِ الْجَحِيمِ * أي معذب بعذابه لحكمه عليه بالشقاوة فعلم أنكم لا تقدرون أن تغيروا عليه إلا من غيره هو فبحكمه ضل لا بكم ، نعوذ بك منك ، لا مهرب منك إلا إليك ، والمراد بتقديم الجار أن غيره قد يقدر على أن يفسد عليه من لا يريد فساده ويعجز عن رد المفسد ، فالتعبير بأداة الاستعلاء تهكم بهم بمعنى أنه ليس في أيديكم من الإضلال إلا هذا الذي جعله لكم من التسبب ، فإن كان عندكم غلبة فسموه بها ، وتوحيد الضمير على لفظ « من » في الموضعين للإشارة إلى أن الميت على الشرك بعد بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من العرب قليل ، وقرىء شاذا « صالوا » دفعا لظن أنه واحد . ولما كان من المعلوم أن هذا الاستفتاء من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقع امتثالا للأمر المصدر به ، وبطل بهذه الجملة قدرتهم وقدرة معبوداتهم التي يدعون لها بعض القدرة ، قال مؤكدا لذلك ومبطلا لقدرة المخلصين أيضا عطفا على فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ : وَما مِنَّا أي نحن وأنتم ومعبوداتكم وغير ذلك ، أحد إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ * قد قدره اللّه تعالى في الأزل ، ثم أعلم الملائكة بما أراد منه فلا يقدر أحد من الخلق على أن يتجاوز ما أقامه فيه سبحانه نوع مجاوزة ، فلكل من الملائكة مقام معروف لا يتعداه ، والأولياء لهم مقام مستور بينهم وبين اللّه لا يطلع عليه أحد ، والأنبياء عليهم الصلاة والسّلام لهم مقام مشهور مؤيد بالمعجزات الظاهرة ، لأنهم للخلق قدوة ، فأمرهم على الشهرة ، وأمر الأولياء على السترة - قاله القشيري ، وغير المذكورين من أهل السعادة لهم مقام في الشقاوة معلوم عند اللّه تعالى وعند من أطلعه عليه من عباده . [ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 165 إلى 171 ] وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ ( 165 ) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ( 166 ) وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ ( 167 ) لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ ( 168 ) لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 169 ) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ( 170 ) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 )